القاسم بن إبراهيم الرسي
110
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
ونحن نجد أن إطلاق المشيئة في آية ، تقيّده آية أخرى يذكر فيها الاختيار الإنساني صريحا . أي أن إضلال اللّه لشخص ، معناه : أن هذا الشخص آثر الغيّ على الرشاد ، فأقره اللّه على مراده ، وتمم له ما يبغي لنفسه . . فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [ الصف : 5 ] . وانظر إلى قيمة التنويه بالاتجاه البشري المعتاد . وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ [ النساء : 115 ] . فهل بقي غموض في إطلاق المشيئة ؟ لا . إن معنى قوله : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ [ الرعد : 27 ، النحل : 93 ، فاطر : 8 ] لا يعدو قوله : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( 26 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ [ البقرة : 26 - 27 ] . وكذلك الحال في يَهْدِي مَنْ يَشاءُ . انظر إلى قيمة الإرادة الإنسانية في قول الحق وهو يتكلم عن إرادته : قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ( 27 ) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ( 28 ) [ الرعد : 27 - 28 ] . فهو يهدي إليه من أناب إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [ المنافقون : 6 ] . اجعل أيها القارئ هذا المصباح بين يديك ، وسر في نوره بين شتى السور ، فلن تجد في دين اللّه قلقا أو اضطرابا . وإنما القلق والاضطراب في عقول الحمقى ، وقلوب الغافلين . وهنا قد يسأل البعض عن حدود الإرادة الدنيا والعليا في الأعمال . ومع أن هذا السؤال لا مبرر له ، فنحن نتبرع بالإجابة عنه حتى يظهر السر في نسبة الهداية والإضلال ، تارة للّه ، وتارة للإنسان . هل تعرف ما يفعله الفلاح في حقله ؟ إنه يلقي البذر ، ويتعهده بالسّقي وعلى اللّه